أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
218
نثر الدر في المحاضرات
عندنا شيء نعطيك ، وستّي في المأتم ، فقال السائل : أيّ مأتم أعظم من مأتمكم إذا لم يكن عندكم شيء ؟ وقف آخر بباب دار ، فسأل ، فقال صاحب الدار : أغناك اللّه ، فليس صبياننا هاهنا . قال : إنّما طلبت كسرة ، لم أطلب الجماع . وقف آخر بباب فقال : أوسعوا عليّ مما رزقكم اللّه فإنّي في ضيق . فقال صاحب الدار : إن كنت في الدهليز في ضيق فادخل الدار فإنه أوسع لك . فقال السائل : إنما قلت : تأمر لي بشيء قال : قد أمرتك أن تشتري لابني قلنسوة . فقال السائل : « أيش » تريد منّي يا هذا ؟ قال : أريد منك عشرة دراهم أؤدّيها عن كرا الدار . فولّى السائل هاربا . وقف أعرابيّ على قوم يسألهم ، فقال أحدهم له : بورك فيك . وقال آخر ما أكثر السّؤّال ؟ فقال الأعرابيّ : ترانا أكثر من « بورك فيك » ؟ واللّه لقد علّمكم اللّه كلمة ما تبالون ولو كنا مثل ربيعة ومضر . وقف آخر على باب ، فأجابته امرأة من الدار : ما خبزنا اليوم . قال : فأعطني كفّ دقيق . قالت : ما اشترينا بعد دقيقا . قال : فاستقرضي من الجيران رغيفا ، قالت : لا « يقرضونا » . قال : قد أحسنوا يا زانية . تستقرضين ، ولا تردّين ، لا يقرضونك ! وقف سائل على إنسان - وهو مقبل على صديق له يحدثه ، ويتغافل عن السائل - ثم قال له بعد ساعة طويلة : صنع اللّه لك . فقال له السائل : أين كان هذا يا سيّدي إلى هذا الوقت ؟ كان في الصّندوق ؟ وكان رجل ببغداد من الشحاذين فكان دأبه أن يترصّد إقبال الربيع ، فيطلب وردة أوّل ما تطلع ، وقبل أن يراها الناس فيأخذها ، ويحملها إلى الحذّائين ، ويبشّرهم بمجيء الصيف ، وحاجة الناس إلى النّعال ، فيجبون له شيئا ، ويعطونه وإذا أقبل الخريف عمد إلى جزرة قبل أن يرى الناس الجزر ، ويهديها إلى الخفّافين ، ويبشرهم بمجيء الشتاء . فما زال هذا دأبه يتعيّش منه طول عمره .